أناركيين من حلب

مقدمة كتاب أناركيين من حلب

يعكس النقاش أدناه، حالة عامة يعيشها أفراد سوريين يحاولون بكل ما بوسعهم الانعتاق عن أنظمة النفاق الاجتماعي و عقلية التشجيع. تجربتنا ما زالت ناعمة حديثة الولادة حيث تكمن الصعوبة بغياب قدرتنا على ملاحظة القوة السلطوية الكامنة داخل المجتمع والدولة بوضوح، والعمل على التفريق بينها وكشف كل الستائر التي تختبئ خلفهامع بداية الحراك الثوري، وفي جلسة صغيرة لمجموعة من الأصدقاء، خرجنا بقراءة تقول أن لو استمر الصراع لفترة أكثر من شهر سيشهد الوطن حرباً أهلية، وهذا ليس باجتهاد فكري إنما هو واقع الحال.

يعتبر التنظير الثوري أو التنظير عامة( أي محاولة للتحليل، الاستقراء، أو النقد ) جريمة يرتكبها الفرد العادي ، ويبقى التنظير حكر على طبقة اجتماعية تدعى النخبالثقافية والسياسية السورية التي في سجلاتها تاريخ طويل من النضال والاعتقال، وقد نظمت نفسها سابقاً داخل منتديات وأحزاب وتجمعات ( مثل إعلان دمشق، منتديات الآتاسي، لجان المجتمع المدني …).

مجموعة كبيرة من الشباب الذين كانوا يحاولون بكل جهدهم الخروج من انتماءاتهم القسرية (كالطبقة ،الدين والعائلة …)، بقيت عالقة على حدود الثقافة التي رسمتها تلك النخب، حيث كبتت العقول عن العمل الحر والتفكير بأسئلة جدية حول معنى الوجود والحرية، لتستبدل بعقلية المراجع واستنباط الحلول من تلك الأقلام المبدعة والعقول النيرة التي تمتلك المعرفة اللازمة لانعتاقنا من سجون نظام البعث.

في الحديث عن كيف هو مشهد النقاش بين الشباب المنخرط في الصراع عموماً، بقي الجدال عالقاً بين أفكار توارثناها، ليصبح كل شاب سفيراً لأيدلوجيا ما، ( إسلام – شيوعية – عروبة – وطنية الخ ). بعد انتصار الإديولوجية الإسلامية وقد أصبحت وحيدة في مواجهة إديولوجيا البعث المعدلة دولياً، استمر نقاش الشباب المهزومين من مختلف الإيديولوجيات الأخرى حتى أيامنا هذه حول الإقصائية التي اتبعوها أولئك الإسلاميين وكيف أنهم وحدهم المسؤولين عن فشل الثورة ولولا وجودهم لانتصرنا دون أدنى شك.

هنالك رغبة حقيقة بتحميل فكرة ما، أو سلوك مجموعة ما، عبئ ما آلت إليه الأمور وما نتج عنها. هذا الانطلاق الخاطئ الذي يقول بأن كان هنالك ثورة تسير نحو التحرر من أنظمة العبودية وتدميرها، وحدث خلل مفاجئ في هذا الطريق لتنتهي الأمور كما هي الآن، مازلنا ندفع ثمنه غالياً. ا

غابت أي محاولة جادة في تفكيك السلطات، وتعريتها ( على سبيل المثال : أنظمة الاستبداد الأسري، أنظمة الرقابة الجنسية والجندرية، أنظمة السلطات الغيبية ….الخ ) كان العكس، فأجرت قوى الثورة تحالفاً معها، لمواجهة الخطر الأكبر ألا وهو نظام الدولة الأمني ومؤسساته.

حجم الزخم والشجاعة داخل الحراك الثوري كان بأوجه، وكان باستطاعته قلب أنظمة حكم المنطقة كلها، في الحديث عن القوةحيث لا خوف من مواجهة الرصاص وكل المخاطر اللامعقولة التي فرضها نظام الدولة الأمني، ولكن ذهبت كل تلك التضحيات بلا جدوى، فغياب العمل الثقافي الثوري كان له أبعاده القاسية، لتبتلي الحركة الثورية بثقافة مقيتة قائمة على التشجيع والتقليد.

أصبح معظم من يعمل بالثقافة ومساند للثورة، ماكينة تبرير ليس للحركة الثورية فقط، بل حتى لمجموعات صغيرة دخلت لترتكب تصفيات مريضة باسمها ( على سبيل المثال تم تبرير معظم أعمال الخطف والقتل الطائفي والسرقات ليس من الحكومة أو الأغنياء بل من الناس ” )، ويدعي هذا المثقف بمواقفه هذه، أنه يعمل محصناً داعماً لإرادة الشعب، وفي حقيقة الأمر هو لا يخدم سوى موقعه في سفينة يرى بأنها متجهة لتنتزع السلطة القائمة وترسوا مكانها.

شهاداتنا وتحاليلنا التي قدمناها في اللقاء لا تنفصل بشكل جذري عن حالة الفارس المهزوم، حيث ما زالت كثير من الإشكاليات عالقة بلا حلول أو فرضيات، والمشهد برمته وكل ثقله جاثماً على خيالنا. دعوتنا للقارئ بأن لا يغفل عن أي إشكالية منطقية ذكرت بالنص، فلا حقيقة نمتلكها ونلقنها للرفاق المتضامنين مع نضالنا المستمر ضد جميع سلطات الاستبداد، وﻻ تبتعد هذه المقابلة حدود تجربتنا وقراءاتنا الخاصة بكل مشاكلها وأخطائها.

** المقدمة أعلاه، هي مقدمة لكتيب سيجري نشره لاحقاً


3 تعليقات

  1. لا أوافق على عنوان المقدمة – إبن جحشون – مع إحترامي لامخاخ كافة الكائنات من دون رغبتي بإنك تشعر إني عبهتم بالقشرة على حساب المضمون ، بشكرك على حساسية العرض الفكري الموجز لتشعبات الازمة السورية بوصفها ازمة أخلاقية عالمية الطابع بمشهدها المحلي ، إنها بمثابة مراجعة نقدية شجاعة مستندة على فهم عميق لتفاصيل العراك السوري ، برأي قراءة جديرة بتدفعنا لان نوقف مع ذاتنا وفكرنا بطريقة اصدق واكثر جدوى بعيدا عن الرغبة المكبوتة في الظهور الصوتي الدائم ـ لدرجة إنو منشعر إنو الازمة السورية هي أزمة نفسية مستعصية اكثر من كونها ازمة سياسية إجتماعية .

  2. اهلا
    انا اناركي ساكن ببريس و عم حاول ترجمة هاذا النص الى انكميزي و ممكن نصص اخرى من موقعكم كمان. اذا بدكم تحكو شوي عن النصص او الترجيمات او شثاني, فيكم تكتبو لي رسالة لبريدي الالكتروي
    تضامن

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *