المجتمع العذري – الجزء الأول

 

الهدف : أبحث في هذه الورقة عن جذور المشاكل التي تعاني منها الثقافة الجنسية داخل المجتمع السوري وتجلياتها على الحياة اليومية، بوصفها مشكلة عميقة أدت إلى إعاقة تقدم الثقافة الاجتماعية نحو الحرية.

دباجه :

أن لا مساحة حرة للأفراد للتعبير عن رغباتهم الجنسية لا فعلاً ولا قولاً، وهنا يقع على عاتقي أن أبين الفرق بين المساحات الحرة التي أفترضها وبين ما كان يجري من ممارسة بالقول والفعل للرغبات الجنسية.

لقد أتت أحداث كولن كخبر مدوي على الأوساط السورية لا بوصفه جريمة جنائية، إنما بما عناه الحدث من تهديدات سياسية/ إعلامية تجاه وضع اللاجئين السوريين وصورتهم في ألمانيا وأوروبا عموماً، وبعيداً عن الاستقطاب الذي افتعله الإعلام حيث صور المجتمع الألماني كضحية ضعيفة محاصرة بوحوش مفترسة وعلى الدولة القيام بواجبها المقدس بردع هذه الوحوش أو طردهم إذا اقتضت الحاجة. وهنا أترك تفكيك هذه العمل إلى رفاقي الأوربيين لكشف الستار عن هذه الخطاب الطائفي وتبيان الأبعاد الحقيقة من وراءه.

من الصعب في ظروف قاسية تحاصر الناس وتهددهم بطردهم من امنهم ” الأخير ”  أوروبا  أن تحصل على إجابات ومواقف صادقة حول جريمة من هذا النوع، لذلك اخترت الذهاب باتجاه تاريخ هذا المجتمع في ظروفه المستقرة، وحين كان يمتلك شيء من القوة *.

في التأسيس :

يبدأ الإنسان الحر في مراهقته أو قبلها بقليل باكتشاف جسده وحاجاته الجنسية، ولكن ما يعيشه الإنسان السوري في سجون اجتماعية، تدفعه نحو اكتشافات مزيفة عن جسده، ليتحول الجنس إلى نجس والآثمين فقط من يمارسوه خارج حدود الشريعة، ينقسم المجتمع بين عفيف طاهر يعيش على سطحه وبين نجس كافر يعيش في دهاليزه السرية.

الإشكالية تبدأ عند اكتشاف حرمانية هذا المكان، وعلى من يود الاقتراب منه أن يتحلى بكثير من الشجاعة وأن يكتسب مهارات الاحتيال والكذب ويتقنها جيداً، كأن الوصول إلى عالم الجنس يتطلب منه خطة محكمة من أجل الدخول والخروج سراً دون لفت انتباه أحد، لتسير الحياة الشرعية وفق العادات والأعراف التي تتبع للبيئة الاجتماعية على اختلاف مصادرها، فمراسم الطاعة يجب تقديمها كل صباح. على الذكر أن يتبنى هويته الذكورية كما أقرتها القبيلة أو الأسرة أو المدينة،( على مستوى المظهر، الصوت واللغة، المهن والموقع الاجتماعي …) فلا فرق جوهري تستطيع اكتشافه بتعريف الهوية الذكورية بين كل المجموعات آنفة الذكر وعلى الأنثى كذلك الأمر.

سياج الحرمانية الذي سوره الذكور الفحول على مر التاريخ الشرقي، ومأسسوه بالسلطة الدينة كان عملاً تراكمياً بامتياز، فلم تصعد السلطة الدينية للإيجابه عن أسئلة وجودية حول الخلق وحياة الخلود فقط، بل عملت على تنصيب نظام اجتماعي قائم على تعاريف أنتجتها العقول الفحولية التي سبقتها من ملوك وقادة حروب الخ. ومن هنا تأتي ضرورة تصوير محمد كعمل فني بوصفه الفارس الفحل صاحب الحنكة، لا بتسطيحه كما فعل فنانو الغرب بوصفه الإرهابي والشهواني، الشهوانية بمعناها القبيح المتداول أي الشهوانية الأنانية التي تبيح ممارستها حتى عبر اغتصاب الآخرفصفتي الإرهاب والشهوانية رافقت معظم أصحاب السلطات حتى عصرنا الحالي، ببساطة شديدة ﻷن شجعهم قادهم لأن يمتلكوا قرارات ملايين الناس بإدعاء أنها متفوقون ,أذكياء، أقوياء، حكماء … الخ.

يعاني الإنسان في الجغرافيا السورية، من تعدد أنواع السلطات الكبتية وتنوعها، حيث لا ينتهي الأمر عند تراجع سلطة ما، كالسلطة الدينية كما هو الحال في مجتمع مدينة سلمية *(1) على سبيل المثال. لكن كل ما يحدث أن النظام الأمني الحارس لحدود الممارسة الجنسية، يتبنى سياسات جديدة متسامحة حسب معاييره الخاصة، وهذا ما يعقد الصراع بين الجماعات الأهلية داخل المدينة، ويجعل من تلك المعايير معايير عامة تقاس وفقها مدى تقدم وتطور الإنسان، فتصبح فخراً للملتزمين بها. أما القابعين تحت أنظمة أمنية مختلفة( تلك الأنظمة التي تأمن لهم الحماية )يشار لهم بالتخلف أو يخاطبون بطريقة دونية. وهكذا يصبح الحديث عن المتمردين عامل إجماع لكل عبيد المدينة،فهؤﻻء لم ينظموا أنفسهم. ليجدوا نفسهم محاصرين بين خيارات محددة، تعتمد بداية على الانتماء الجنسي، أهو ذكر أم أنثى ؟ لتتبعه أسئلة تفصيله أخرى تحدد الصيغة العقابية التي سيخضع لها الجاني”. بمعنى أن لا فارق جوهري يميز المجتمعات المتباينة في السلوك والمظهر فيما يخص المسألة الجنسية ( الهوية الجنسية التي لم تطرح للنقاش الجاد بعد في جميع الطبقات ).

هنالك إجماع وطني شامل يقر بهامشية دور الأنثى بوصفها ضمناً ملكية خاصة للرجل، كما يعلن حرمانية ممارسة الجنس خارج حدود الشريعة والعرف، بوصفه من كبرى الجرائم. طبعاً علينا أن لا نغفل هنا، كيف أن معايير جميع الأنظمة الحراسية تعتمد أن تكون متسامحة أكثر  مع الرجال، وهذا معيار يتباين من مجتمع لأخر، ويبقى هذا المبدأ فاعلاً مع الرجل بما أن الرجل مازال يشهر هويته الجنسية كما يتعارف عليها. وفي مفارقة تبين لنا طبيعة هذه الأنظمة الحراسية، تحمل الفتاة المغتصبة مسؤولية جريمة اغتصابها، ويصبح مبدأ التسامح بهذه الحالة يقع في مجال قبيح يبدأ بالتستر على هذه الجريمة مروراً بتزويجها من مغتصبها أو أحد الرجال أصحاب الكرامات ، نهاية بقتلها تحت ذريعة الرحمة والمغفرة في فهم الديانات الإبراهيمية .

في توضيح مسألة الهوية الجنسية، تتداول في الكثير من الأوساط الاجتماعية ومنها أوساط أكاديمية “متحررة”، نكات أو تعليقات تسخر من الرجل الذي تقوده امرأته، ويصبح الكلام حوله أنه فقد أهم خصائل رجولته حيث لم يعد يمارس سطوة على زوجته أمام المجتمع، لتأخذ النكت والتعليقات مكاناً يحط من قيمة ذاك الرجل اجتماعياً، أو لتتناول المرأة بوصفها مسترجلة ليتم تحقيرها هي الأخرى، وليس مستغرب أن هذه الأحاديث والتعليقات تنبع سواء من ذكور وإناث على حد سواء. ليس بالداعي أبداً أن تكون الحالة هي حالة انقيادية من قبل الرجل بيد المرأة، حيث يكفي هذا النظام أن يلاحظ عدم وجود حالة سلطوية تطبق على الأنثى من قبل الذكر، لتلغى بعض أو كثير من الامتيازات الاجتماعية للرجل والمرأة المعنيين**، وهذا ما يعقد ويصعب الحياة أمام هؤﻻء، حيث هذه الهويات البدائية هي أحد أهم القواعد الاجتماعية في أي مدينة أو قرية سورية.

يتبع

*حيث أن هنالك خليط بين مجموعات تمتلك قوة واعية منظمة لديها أهداف، تمارس السلطة،وهنالك مجموعات كثيرة جداً غير منظمة ولكنها تمتلك القوة وتمارس السلطة هي الآخرى. والفرق واضح في مواقع ومعقد في مواقع أخرى.

**طبعاً أهمية الموضوع للحكم على الرجل بوصفه مسيطر والمرأة بوصفها المسيطر عليها تختلف من مجتمع لأخر .. فهنالك مجموعات لا تعطي تلك الأهمية نحو هذه النوع من الأحكام ولكني أهملها لصغر حجمها.

One comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *