هزيمة العصبوية الدولية

مع الزمن تبدو فكرة قيادة المجتمع من المؤسسات الحقوقية المرموقة ذات القواعد المتينة أكثر جدارةً وأحقيةً من إعتلاء الأحزاب السياسية التقليدية للسلطة في المجتمعات –وسيكون مقبولاً بطبيعة الحال قيادته من قِبل تلك الحّركات والاحزاب والمنظمات ذات اللون الفكري المدني التي لا ترتكز على مفهوم الوطنيةٍ الضيق في رؤيتها لتطوير المجتمع وإنما في إحترامها العميق لتأثير الإرث الفكري ومكانة حركة الإبداع في المجتمع –أحزاب الخضر في دول كفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا التي تجنح لحماية البيئة والطبيعة ستكون بداية إستراتيجية موفقة لهذها الطرح تشاركها بذلك الحركات النصف سياسية إن جاز التعبير التي تحمل تطلعات مدنية بقالب سياسي إذ تحاول صهر الأفكار السياسية المتمثلة بالأحزاب التقليدية في مشروع نوعيٍ قارّيٍ حاضنٍ وكذلك المنظمات المستقلةالممتد عملها لكافة أرجاء الارض -لأنها فكرة غاية في الحمق وصول أشخاص ذوو رؤيةٍ حزبويةٍ أنانيةٍ ضيقة إلى سدة حكم المجتمع بينما سيكون مناسبا لهم أن يكونوا  شركاء في إدارة الإقتصاد -ويبقى على هذا الصعيد كيفية تحجيم  مسألة البراغماتية السياسية من قِبل الحركات المدنية المتطورة في التعاطي الدولي الرسمي التي من شأنها أن تتيح للأنطمة ذات الشكل والتطلّع الشمولي بأن تكون فاعلة وندّاً  للدول ذات الأسلوب المدني وبالتالي تصبح تلك الدول المتعفنة سياسيّا شريكة في قيادة العالم كما هو الحال هذه الأيام ويتم ذلك التحجيم من خلال مكافحة ما يسمى إرساء  علاقات اخوية او صداقة مع تلك الانطمة وكشف حقيقتها  على كافة أصعدة الحياة لا أن يظل التزلّف والرغبة الواهية بالسلام تسيطر على المشهد العالمي مثلما نرى اليوم .
أما حالة التوازنات العالمية المؤطرة التي يرعاها مجلس الأمن ستظل تفشل على الدوام في تأسيس حالة ألفةٍ بين الشعوب -ودعوتها الشكلية الهشّة المبتذلة للسلم العالمي سيظل موضع إحتقار بالنسبة للباحثين عن راحة الفرد في كل مكان ،
يجب أن تسعى المؤسسات المدنية الفاعلة لطموحها نحو عالمية مشروعها وبالتالي قيادة المجتمع، وحقيقة رفضها لهذه الغاية بذريعة تبنيها شعار عدم التطلع إلى السلطة يبدو غير مقنعٍ عندما يكون البديل سياسيٌّ ضيق الأفق ومفقع بالبراغماتية ، لماذا علينا أن نتقبل واقع أن يكون الثراء سبيلاً إلى السلطة هذا هو الحال في بلد مثل الولايات المتحدة على سبيل المثال
لماذا الثراء والسطوة عند حكام الخليج العربي يسمح لهم بإعتقال شاعر أو ناشط حقوقي او أي إنسان في المجتمع ؟ لماذا عليّنا ان نتقبل ذلك من خلال إصرارنا على أن تظل المنظمات الفاعلة التي تستطيع شكلاً ومضموناً التأثير على صوت المجتمع -خائفة من تلوثّ أخلاقياتها بسبب خشية دخولها في عالم السياسية المتشعب بالعلاقات والتوجهات المشبوهة – على تلك المؤسسات أن تبتعد عن وهم الخوف من السلطة لأنه ليس في محله وليس في صالح من تنادي من أجلهم
عندما تستطيع مؤسسة أو منظمة مدنية جمع ملايين الأصوات دفاعاً عن قضية مستحقة ما – لن يصعب عليها حينئذٍ هزيمة شرذمة من السياسيين القوميين العصابيين
في هذه الحالة نحن لسنا بسلطويين وإنما حقيقيون نريد أن يحيا الجميع في كل مكانٍ – نريد للناس أن تتنزه وتأكل وتضحك في الحدائق مع عائلاتها نريد العيش وحسب
إذا كانت المؤسسات المدنية تؤمن بذلك بشكل واعي وممنهج عليها إذاً أن تنسف من ذهنها فكرة أن تكون بعيدةً عن السلطة لفائدة العصبوية المالية عديمة الرحمة ..
من جانب أخر وفي سياق مشابه إذا وقفت للحظة أفكر بعمل الأمين العام للأمم المتحدة سأجد بأن ليس له أي عملٍ حقيقي يقوم به بالنسبة لصفتهِ والعبارات التي ينطق بها والتي تصدّر رغبته في السلام ليس لها أي معنى -هو مثال للموظف الدبلوماسي الثابت الغير قادر على التحرك أو التأثير بينما يشعر في ذات نفسه أن وجوده في منصبه رفقة عباراته اللطيفة المواسية التي تحاول تهدئة التوترات الدولية تنضوي على أهميةٍ خاصةٍ وهنا الطامة الكبرى ذلك لأن عدم وجود منصب الأمين العام بحلته الحالية لن يكون له أي تأثيرٍ سلبيٍ على حياة الشعوب وإنما وجود ذاك المنصب بزيه الدبلوماسي من دون أن يكون له دورٌ أو توجهٍ هو الذي يؤذي الحياة والدول -لأن في هذه الحالة يكون ثمة غطاءٍ لحالة الظلم المتفشية ،
عندما يكون المنافس لحالة الظلم مشلولٍ ومسلوب الإرادة وفق قوانين وضعها هو بنفسه ،ستتبلور حينها فاعلية اللاعدل وتصبح أشد فتكاً من أي وقتٍ مضى
فمثلاً دولةً عظمى مثل روسيا سيسهل عليها إغتصاب العالم بمجرد إعتراضها بمجلس الأمن ،بمجرد -الفيتو السحري- بذلك المجلس ،
وبالتالي تغدو النتيجة المرئية والتي لا جدال فيها هي:
أن روسيا تغتصب العالم ليس لأنها دولةٌ عظمى بل لأنها عضوٌ في مجلس الأمن وحسب .
إن قوة العالم السياسي الحالي تكمن في ثقتهم ببعضهم البعض – بقناعتهم أن رضوخهم لروسيا على سبيل المثال إنما هو رضوخاً لأنفسهم وتبجيلاً لها – يكمن في تشبثِهم بفكرة أنهم قوّة واحدة تسيطر على هذا العالم ولا بديل عنها
وهنا بالذات ومن هذه النقطة يجب أن تنطلق المؤسسات ذات الأسس الإستراتيجية طويلة الأمد وتؤمن بأنها البديل المناسب لذلك الوضع المزري من الوعي الإنساني –السياسي .
العالم السياسي الرخيص والهش سيظل على الدوام يفتقد للإضطرار الذي يدفعه للإعتراف بهذا الواقع المرير .

بقلم :معتز نادر

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *