ثورة ضد كل الحكومات

مراجعة نقدية سريعة في سلوكيات الثورة السورية-الموقف من السياسة التركية بوصفه نموذج :

عندما أتحدث عن تركيا كلاجئ أو مقيم تنتابني مشاعر متناقضة حيال  ذلك البلد الذي إستقبل ملايين اللاجئين السوريين والعراقيين على وجه الخصوص، وبين تعاطي نخبته السياسية مع قضايا المنطقة العالقة ومنها القضية السورية  بمجمل تشعباتها، ولكن ما يحضرني هنا تفشّي النظرة الداعمة والمؤيدة من قبل الكثير من السوريين المعارضين المتواجدين في تركيا لحكومة ذلك البلد بوصفه حامل لواء الدفاع عن قضية الشعب السوري، والتي بدورها تثير شكوك كبيرة حول متانة القيِم التي تفجرت لأجلها الإحتجاجات الشعبية في سورية ومدى صلاحيتها في التأثير بالأجيال القادمة ونقل وعيها إليهم .

والسؤال هنا : لماذا يدافع السوريين المتواجدين في تركيا عن سياسات الحكومة التركية بتبريرهم غالبية قرارات وسلوكيات الحزب الحاكم الجانحة مؤخرا وبسرعة البرق نحو التسلط والديكتاتورية بشكلها الكلاسيكي التقليدي بعدما كانت حذرة بخطواتها قبل الإنقلاب الفاشل -بكم افواه أصحاب الرأي والفاعلين بالمجتمع التركي وعلى الأخص المتواجدين في المواقع السيادية بالدولة.
من وجهة نظر سطحية ولكنها حاضرة على  الساحة التركية فإن حدوث حالة الإنقلاب وتحمليها لجهة معينة بحد ذاتها ربما يبرر للقاعدة الإجتماعية في هذا البلد جنوح الحكومة والرئيس أردوغان نحو السلوك السياسي الإستبدادي او التسلطي إن جاز التعبير وبشكله الواضح ،
لا شأن لنا بالإعتقالات المتعلقة بمن لهم يد بمحاولة الإنقلاب الدموية، ولكن عندما اشعر وأجد  كإنسان مقيم بالأراضي التركية بصرف النظر عن صفتي القانونية كلاجئ أو سائح أو مواطن أجنبي أو تركي *لا يهم*- بأن كل من ينطق بكلمة عرضة للإعتقال والتقويض سواء كان كاتبا أوصحافيا أو رساما او أكاديميا أو طالبا جامعيّا فإن هذا السلوك يشعرني بالإهانة كشخص يؤمن  بحرية الرأي والتعبير أولا، وكفرد جاء من شعب عانى أسوأ  أنواع الإضطهاد السياسي والإجتماعي على حد سواء -ثانياً، ولا يحق لي بطبيعة الحال لكوني أقيم بالأراضي التركية، أو لأني أشعر بالإمتنان حيال الأتراك على حسن ضيافتهم- بأن ادير ظهري لما يجري من حولي من تداعيات تمس حقوق الإنسان، أو أبرر إعتقال أصحاب القلم و الرأي.
المفترض أننا لم نرفض ظلم النظام السوري كي نقبل بظلم حكومة أخرى بذريعة أننا نقيم قي أراضيها، هذا كذب على النفس ولا علاقة له بطبيعة الحال بأي نزعة ثورية نقية،نحن نرفض القمع والإستبداد ليس فقط  عندما يقع على السوريين* بل عندما يقع على غيرنا من البشر أيضا، ولأنه موجود أصولا، *إذا كنا لم نختار جنسية بلداننا فعلى وعي المطلب الثوري ألا يختار وطناً له * وبذلت الوقت يبدو من الصعب لنا تصديق بأن حكومة تقوم بإعتقال الكتاب و الطلاب الجامعين أن تهتم بحرية شعب اخر، وليس من العسير أن يرى المتتبع مؤخرا ومنذ إبرام الإتفاق التركي الأوروبي حول تقييد حركة  المهاجرين من تركيا واليونان بإتجاه أوروبا ، بأن السوري في تركيا يُعامل بشيء من الإبتزاز والمتاجرة بأزمته من قبل الحكومة التركية على الرغم من كرم الضيافة المتعلق بإستضافة  قرابة ثلاثة ملايين لاجئ الصغير منهم والذي لا يتجاوزعمره  عشر سنوات يعمل بكد من أجل لقمة العيش.
من المعروف والمؤكد ان الحكومة التركية اوقفت في الاشهر الماضية سفر المئات من السوريين  من أصحاب الكفاءات إلى بلد ثالث  ككندا وأستراليا بالرغم من إستيفائهم كافة الأوراق المطلوبة ، ولو كانت الحكومة التركية تجد لهم البديل لكان الأمر أهون لكن هذا لم يحدث.
وفي خضم الحرب الدائرة في سوريا يتحالف الرئيس التركي أردوغان مع  روسيا واصفا -وهو الوحيد بذلك- الرئيس الروسي الذي تقوم قواته بتدمير ممنهج للمدن السورية -بصديقي – بعد أن وصفه بأقبح الألفاظ سابقا وبأنه يقتل الشعب السوري،  ليقول لك السوري المعارض المتعاطف مع الحكومة التركية بعد ذلك بأن هذه سياسة ؟!!!
حسنا لماذا  نلوم إذا مؤيدي النظام وإجرامه إذا كنّا سنبرر كل سلوك سياسي أو عسكري ينجم من حلفاء المعارضة، إذ هم بدورهم أي مؤيدي النظام يبررون سلوكيات نظامهم بوصفه يحارب إرهابيين من وجهة نظرهم، لماذا نعارض على سبيل المثال دخول إيران وميليشيا حزب الله ؟ إذا كنّا سنبرر ونقبل دخول القوات التركية أو غيرها إلى الأراضي السورية ..
لماذا يدعم الإعلام العربي و السوري المعارض فصائل راديكالية لا تؤمن من قريب او بعيد بمشروع الدولة القائمة على المواطنة وسيادة القانون ؟ علما اننا نعلم جيدا أنه في اللحظة التي سيسقط بها النظام سيتم  تحالف عسكري ودولي جديد لتصفية تلك الفصائل بوصفها متشددة تتعارض مع مشروع الدولة الجديدة الناشئة بينما يدعوهم الإعلام والأحزاب والمؤسسات المعارضة القريبة من الفكر الليبرالي كالإئتلاف المعارض والمجلس الوطني –بـ الثوار- وذلك لأنها تحتاج بنادقهم حالياً ولأنهم يمثلون أيضا ورقة تفاوض في وجه النظام الدموي، لكن بعد ذلك ستؤيد تلك التشكيلات المعارضة -وسيثبت التاريخ ذلك- تصفية الفصائل المقاتلة الإسلامية لرفضها الإندماح بمشروع الدولة المحتمل حالما تنتهي الحرب ،وستغدو المواجهة حتمية بين الاطراف السورية المعارضة بكافة مستوياتها.
عندما انتقد تعاطف بعض السوريين للسياسة التركية لا يعني هذا موافقتنا على التعاطف مع  شكل الدعم السعودي أو القطري لا بل يبدو الموقف التركي على الرغم من تحفظاتنا على سياسة حكومته وتشرخاتها مؤخراً أفضل من موقف دول الخليج كافةً فعلى الأقل تركيا سمحت بدخول اللاجئين إليها، والسعودية على سبيل المثال تدعم فصائل سورية مقاتلة وقطر تقوم بنفس الأمر، حسنا! لماذا لم يستقبلوا إلى اللحظة لاجئ سوري واحد ؟!! ما هذه الإزدواجية ؟ أوجاع الشعب السوري ليست فقط سياسية بل إنسانية لها علاقة بالتشرد والجوع وإنعدام الأمن ، ماذا تقدم تلك الدول على هذا المستوى ، الذي حصل بأن شركة بترول الإمارات قامت بفصل كافة العاملين السوريين  لديها بذريعة  الوقاية الأمنية من أي تهديدات محتملة.
لماذا تقبل المعارضة بهذا الواقع معللة ذلك بأنها سياسة و بأن لكل دولة مصلحتها وغايتها، نعلم أن لكل بلد براغماتيته السياسية الخاصة به ولكن ليس من الصائب كمعارضة سياسية من المفترض ان تكون جامعة لكافة فئات الشعب السوري – أن تتأقلم وتتقبل كافة انواع التدخلات والتقلبات السياسية والتي من الوارد جدا ان تنعكس عليها سلباً وبلاءاً مثلما جرى بمدينة حلب أو غيرها في الكثير من المناطق السورية.
ما هو الهدف العملي من كل ذلك ؟غير إستمرار الحرب بشكلها البشع المتوحش الذي نراه ! هذه التحالفات لا تصنع فكر دولة او مجتمع ناضج بل تقوم بصنع ليس فقط ميلشيات عسكرية بل ميلشيات فكرية، وإجتماعية ،وتربوية.
الحقيقة ليس بين يدي حلول واضحة أوعلمية للذي يريد ان يسأل ما الحل إذا؟ ولكن ما أود قوله في هذا الشأن إذا كنا نريد ان نكون أصحاب قضية وصادقين معها بالمقام الأول ونرغب بالفعل بتصدير أفكار تساعد على بناء دولة لا حقا ًفإن تلك التحالفات لن تجدي ولن تبني دولة، و إذا كنا أصحاب حق فعلا علينا ان نكون مختلفين عن نظرة الأخر  للواقع الدموي الراهن لا أن نحاكيها  ونماثلها بشكل مختلف من حيث القشرة الخارجية  لكنه مشابه من حيث المضمون، و أن لا نرضخ للخديعة و الشعارات مثلما كنا ايام عز الخطاب العربي القومي الكاذب على حساب ألاف المعتقلين وقتلى التعذيب، لا يجب أن نرضى بأن يستهتر احد بعقولنا.
بالعودة لتركيا فإن بعض المعارضين يعتبرون  الرئيس التركي زعيما للعالم الإسلامي وبالتالي كل ما يفعله مبررعلى الرغم انه لا يظهر دائما بوصفه المدافع الأول عن المسلمين المنجذبين بدورهم لأي خطاب ديني عاطفي وإنفعالي، فعندما صدر مرسوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول منع دخول مسلمي سبع دول  إلى الولايات المتحدة إحتجّ الكثير من السياسين العالميين على هذه الخطوة لكننا لم نسمع الرئيس  التركي يعلق بكلمة واحدة تعارض هذا الأمر، والذي قام بإدخال المسافرين العالقين بمطارات الولايات المتحدة هو رئيس الوزراء الكندي وليس زعيم العالم الإسلامي المرتقب مثلما يصفه البعض،على العكس  إذ يبدو الرئيس التركي حسب المستجدات الأخيرة صديقا محتملا لترامب كما هو لصديقاً لبوتين.
منذ أيام شعرت بالإهانة عندما كنت جالسا مع صديقي في مقهى بتركيا وعندما حضر إسم أردوغان خفض صوته،
لماذا أيها السوري المعارض المقيم في تركيا والعاشق لأردوغان تؤيد رئيسا تخشاه في اعماقك ؟
هكذا كان الشعب في الداخل السوري ولم يتغير حتى هذه اللحظة ؟!!
في الواقع الذي يجعلني اكتب هذه المادة  ليس جوهره نقد السياسة التركية بحد ذاتها  أو تحريض السوريين على نصب العداء للحكومة التركية، وإنما هو حالة أسف على إستمرار تصديق  السوريين للشعارات الرنانة على حساب حقيقة الواقع بعد كل ما عانوه من تشرد وقتل وتدمير ، بعد كل هذه الألوف من الضحايا والمعتقلين ، بعد كل ذلك ،هذا أمر يدعو للحيرة والحذر في أن معاً ،
وكمتتبع للشأن السوري أرى أن على المعارضة السورية القيام بمراجعة نقدية من الناحية السياسية العملية وتبنّي وضعية وقوف مع الذات، وأيضا كي تتذكر السبب التي تفجرت الثورة الشعبية لأجلها ..
حلفاء المعارضة مثلما تشير الوقائع مثل حلفاء النظام لا يعنيهم ولو بقشة دولة القانون أوحقوق الإنسان او أي كائن اخر ..
أليست السعودية من قامت –وهذا جزء بسيط من إنتهاكات الحكم السعودي -بسجن الناشط رائف بدوي لأنه طالب بإلغاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أليست قطر من حكمت على شاعر بالسجن المؤبد لأنه تعاطف مع الثورات العربية بينما لم تتجرأ القنوات والإعلام القطري بالتلميح للخبر .
ثمة دافع اكثر من كونه سياسياً كان حاضرا في التظاهر ضد النظام السوري أيام الإحتجاجات السلمية الرائعة ..
كان ثمة إحساس عميق بـ ظلم وبهدر كرامة إستمر لسنوات و أن أوان زواله.
تقريبا الأن وبحسب المعطيات السياسية الدولية والميدانية زال هذا الإحساس  بالظلم والذي هو أساس الحّس والنزعة الثورية وحل محله منظومة مقايضات هنا وهناك لصالح ذاك الطرف أو ذاك ، والسبب هو تأقلم الجبهة المعارضة مع ثقافة التسليح ..
إذا وقعت مجزرة في منطقة مؤيدة للنظام قلما نجد إعلام معارض ينتقد هذه المجزرة …. في هذه النقطة بالتحديد يجب أن نختلف عن الأخر المؤيد، ….عن* الشبيح* لا أن نكون *شبيحة* معارضة وحسب .

بقلم : معتز نادر

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *