رحلة البدو الأخيرة

رحلة البدو الأخيرة

رحلة البدو الأخيرة

من منبري هذا، أعلن اليوم، وبخجل شديد، أني أنا بسنيني الثلاث وعشرين، أعرف عن الولايات المتحدة الأميريكية أكثر من معرفتي لبلدي سوريا، وللمنطقة هلامية الشكل الممتدة من المحيط إلى الخليج، والتي سأدعوها تجاوزاً: الوطن العربي.

أحفظ عن أميركا ولاياتها الخمسين. أسرد لصديقاتي قصصاً عن كيفية عمل محكمتها الدستورية العليا. ولنقد ليبراليتها أكرر بغضب أن آباءها المؤسسين، رموز الحرية، كانوا يملكون عبيداً وأرادوا منح حق التصويت للنخبة الأرستقراطية مالكة الأراضي حصراً.

سئلت في الربيع الماضي عن حرب الخليج الثانية، وعندما عجزت عن الادلاء بدلوي، لجهلي شبه التام بكل تبعياتها، استفسرت مازحة إن كان الموضوع له علاقة برياضة الغولف.

لم أزر الولايات المتحدة يوماً، ومع ترأس ترامب بطريركاً جديداً لها، لا أعتقد أني سأستطيع زيارتها قريباً. إلا أن صديقي يذكرني دائماً أنني مواطنة أميريكية تاهت طريقها، وأن الجنسية ستأتيني حتماً في البريد يوماً ما. وإن كانت سخريته تدعوني للضحك سابقاً، أكتفي اليوم بعقد حاجبي. قد أكون مللت النكتة ذاتها، أو ربما هو العار!

منذ عامين تقريباً، طورت قدرة غريبة على أن أبقى واعيةخلال الحلم. وبما أن مصطلح وعيبحد ذاته إشكالي، فلنتفق أن ما أقصده هو أنه بمقدوري أن اطمئن نفسي خلال كابوس مثلاً، أن ما أراه ليس حقيقياًوبإمكاني الاستيقاظ متى شئت. بمقدوري أيضاً، وإن كان ذلك نادر الحدوث، التخطيط لحلم معين، أو توجيهه لخاتمة أراها مناسبة. بإيجاز، لنقل أني أحافظ على جزء صغير من إرادتي خلال النوم، أو أن لاوعيي ووعيي يمكنهما اللعب سوية، تحت ظروف شديدة الخصوصية.

لا أقصد أبداً أن أحلامي أقل دنيوية أو عشوائية. منذ أسبوع فقط، حلمت بأستاذتي الرياضيات في الإعدادي تحدث أمي عن معجون الأسنان الذي نسيت شراءه ذاك الصباح. الفارق الوحيد هو أنني أصبحت أمتلك بطاقة خروج من أي حلم مزعج، إن لم يعد بمقدوري تحمله.

حتى البارحة!
منذ أسبوعين تقريباً، ونشاطي الدماغي ليلاً مرتفع. أحلم بكثافة. وبسبب فقر في حياتي الجنسية مؤخراً، فأحلامي إباحية الطابع. أرتعش في نومي، وأستيقظ لأجد على ثيابي الداخلية ما يؤكد أن الحلم والصحو أكثر ارتباطاً مما نعتقد. أو مما نعترف. لطالما أثار الموضوع هذا اهتمامي، أن بمقدورنا الإحساس بالنشوة الجنسية دون أن نمس أو يمس أحد آخر أجسادنا. أن مجموعة من الشحنات الدماغية تكفي لأن تحاكي تجربة حميمية. أتساءل إن كان علماؤنا الأفاضل قد أصدروا فتوى بتحليل الأورغازم للعزابيةإن كانت قد باغتتهم في الحلم. قرأت مرة عن علماء جنسانية وبيولوجية أفاضل أيضاً، أنهم وثقوا حالات استطاع فيها أناس مصابون بالشلل في قسمهم السفلي أن يزيدوا من حساسية أجزاء معينة من جسدهم، كالعنق أو الأذن، لتصبح بمثابة أعضاء جنسية بديلةتمكنهم إذا ما تم تنبيهها بشكل كافمن الإحساس بالنشوة بالرغم من فقدانهم الشعور بأعضائهم الجنسية الأساسيةبشكل كامل!!

ومن ثم ليلة البارحة، عزمت على أن “أفبرك” خلال النوم شعوراً آخر، كالغضب مثلاً. على الرغم أني على تمام المعرفة بأن الجسد يدخل بحالة شلل شبه كاملة خلال الحلم، إلا أني تساءلت بسذاجة إن كان بمقدوري إغضاب نفسي بصورة كافية لأن أستيقظ وأصرخ وأركل وألعن المجرة كلها. بدا الأمر مشوقاً ومثيراً للاهتمام. أمضي وقتي مؤخراً بإجراء اختبارات على نفسي لعدم توافر فئران تجارب.

لم يكن لي ما أريد!

شبكة الأمان لم تعمل!

كان والداي في الحلم/الكابوسيحدثانني عن فترة ما من تاريخ سوريا، لم يذكرا حدودها الزمنية بالضبط، لكني أعلم بثقة أنها تسبق مجيء عائلة الأسد إلى الحكم.”على وقتنا، يردد أبي بحنين، كنا نروح عالمدرسة بعربة بيجروها حصانين”. تشير أمي باصبعها إلى بيت الأشرفية العتيق بحلب: “وهون جدك كان يعمل لقاءات الحزب” صدري يضيق. أحس بفضب حانق وأبدأ بالصراخ في الحلم-:

بدي اطلع. بدي اطلع. بيكفي.

إلا أن ذلك لم يكن كافياً بإيقاظي. كنت أضغط زر الخروج دون جدوى. كان عالقاً على ما يبدو.

ما زلت أحس بالشعور البائس ذاته عندما أسترجع اللحظات تلك، وأبكي بنفس الحرقة عندما أقص كابوسي هذا. أظن أن شيئاً ما بداخلي قد مات وقتها. لأني لم استيقظ. لأني لم أصرخ. لم أركل الكون. كنت أريد الخروج لكني لم أستطع. حبست نفسي وكرهي وغصتي في سجن بنيته بكامل إرادتي ليلتها.

لم يأتي الحلم هذا عن عبث. شعور بالعار وبالحنق ينتابني منذ فترة. أدرك أنني أنتمي إلى جيل عاثر الحظ. أبي ورومانسية أحصنته وأمي وجدي، عاشوا جميعاً، كما أعتقد، في فترة كان المرء فيها، صاحب قضية من نوع ما. كان الوطن العربي يعيش صراعات سترسم وجهه حتى اليوم، وهم، سعيدو الحظ، كانوا هناك. صراع ضد الإمبريالية، ضد الاستعمار، ضد الصهيونية، لأجل فلسطين، لأجل أوطان مستقلة. كانت المعسكراتأكثر وضوحاً. نحن وهم. نحن العرب، داكنو البشرة، المستعمرون بفتح الميم الثانية، من حكم علينا أن نحمل أعباء الذنب الأبيضوهولوكوسته بأن تقام دولة دينية عسكرية في وسطنا. هم الغزاة البيض. أمريكا على الباب أمريكا. وأمريكا لأمريكا.

تعيسو الحظ نحن. عن جيل الثمانينات والتسعينات أتحدث. أطفال سوريا الأسد. ضحايا أنظمة شمولية أرضعتنا المفردات المرة تلك مع الحليب. الامبريالية. الاستعمار. الرجعية. العدو الصهيوني. فلسطين الأبية. سايكس بيكو. وعد بلفور. شو يعني!! أغمض عيناك وانتقي أحرفاً خمساً من اللغة العربية بشكل عشوائي، سيكون للكلمة التي شكلتها معنى بالنسبة لأطفال سوريا التعساءأكثر من كلمة فلسطين. من سوء حظنا أن الأدلجة تفقد القضية جدواها ومعناها. أن التكرار لا يعلم بل يجعلك حماراً. أكره الاستعمار اليوم من مكاني هذا أكثر مما كنت أكرهه في سوريا الأسد. وأرى العدل في القضية الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى. لكن الخجل يضنيني. أكره نفسي. أحس بالفاجعة.

علمتني الأفلام الأمريكية التي اكتشفتها في سن مبكر أن سندويشة زبدة الفستق مع المربى هي الفطور الأكثر شهية. ورغم أني لم أكن قد جربتها قبلاً، إلا أني وثقت بهوليوود. أمريكا غزتني، عن بعد.

تعلمت أن أحيا ازدواجية مقيتة، أعيش فيها فيزيائياً في حضارة عربية مهزومة، بطريركية، عنصرية، متخلفة، وميتافيزيائياً، أستمد قيمي وتجاربي الوهمية من حضارة غربية ربحت الرهان. حضارة استعمرتني وأخوتي، ودمرت وقتلت واستعبدت وربحت الرهان.

ونحن ندفع الثمن حتى اللحظة. نحن عرب بالضبط لأنكم غزاتنا.

وأنا أردت أن أكون منكم. أن أتحرر من كل العقد الشرق أوسطية. وأن أولد من رحم امرأة بيضاء. أن أولد بيضاء. بريئة. بلا خطيئة. يا لغبائي.

لم يكن جسدي ملكاً لي يوماً. أعرف ذلك وأعترف به. كان على أهلي أن يسودوا عليه، أن يخضعوه. ليبقى الشارب العربي منتصباً، ليتحدى الغزاة. ليتحداكم. ما من أحد مثلنا، نحن نساء الشرق اليتيم، دفع ثمن الشارب الشرقي الذي مرغتموه أنتم بالتراب. كم أردت أن أضرم النار به. كرهته وكرهت أبي عندما سخر من نفاق الغرب الأبيض الذي لا يهمه أمر السوريين إلا إذا كانوا مثليين. “أبي متخلفصرخت. أدرك اليوم أن جسد أبي لم يكن له أيضاً. أنهم أذلوه. أذلوا رجال الشرق جميعاً، ودفعنا نحن النساء الفاتورة الكبرى. أدرك اليوم أن المستعمر الذي غزاني بسينماه، غزا أبي في حرب ال48، وفي حرب الاستنزاف، وفي حرب الكويت وفي غزو العراق. وأن المستعمر العربي غزاه في ال63، وفي مجزرة حماة وفي حرب الخليج وفي الانتخاباتالتي نصبت بشار الأسد أميراً على كل السوريين.

عدوي لم يعد أبي. ولا حضارتي المهزومة. إلا أني لعنتهما منذ بدء الثورة. وضعت الثنائية البينية شرق/غرب بين عيني، سببت الأول ومجدت الأخير. كيف نصبح مثلهم؟ أسأل نفسي. إن كانوا قد استعمرونا عقوداً، فبالتأكيد لأننا منستاهلها. يا ريتهن ضلوا مستعمريننا. اسرائيل أكثر دولة حضارية في المنطقة.

للغزاة قدرة سحرية على جعلك تلوم نفسك، تلوم أخوتك ومن تحب على الفاجعة. هل صليت لزبدة الفستق هذا الصباح؟ الرمل يملأ فمي. إنهم داخلي. يريدون تحرير المرأة الأفغانية من طالبان. عالمنا الشرقي الرجعي المتخلف. يريدون تحرير المرأة العراقية من صدام حسين. الرجل الشرقي متوحش، أنقذوا نساء الشرق الأوسط. على المجتمع الغربي حماية المثليين من المسلمين البرابرة. لسنا بحاجتكم. حلوا عن طيزنا. نفاقكم مقرف. مقيت.

يذبح الأمريكي شعباً بأكمله في العراق. ثم يعود ليطمئن أخوته، إن العرب يكرهوننا لأننا بلد حر. حريتنا تزعجهم”.

ثم يبصق العالم في وجهنا إذا لعنا الديمقراطية. وحقوق الإنسان. وتحرير المرأة.

فلتسقط كل القيم التحررية عندما تستخدموها لصلبنا. فليسقط عالمكم العنصري وكل ادعاءاته. تبترون أرجلنا ثم تقفون على خط النهاية وتنظرون بغرور إلى ساعاتكم. “إنكم متأخرون، تعلنون بقسوة. “متى سوف تصلون إلى صف الدول المتقدمة. الحضارة هنا رائعة. ألا تشعرون بالخزي من أنفسكم؟.”

يقتلنا المستبد العربي باسم الصراع ضد الإمبريالية، وتقتلوننا أنتم باسم الحداثة والتحضر. ونحن نحبكم ونكره فلطسين. يا لفاجعتنا. اعذرونا فنحن ضحايا. نحن عاجزون. نحن عرب لأنكم تكرهوننا. نحن مسلمون لأنكم تكرهوننا

آخذ نفساً عميقاً ..

حسناً، وماذا الآن؟

تصم كلمات فرانز فانون أذني:

“العنف الذي استخدمه الاستعمار لإقرار سيادة قيم الرجل الأبيض والعدوانية التي تخللت انتصارها على ثقافة وفكر الشعوب المحلية، تقتضي أن تضحك الشعوب هذه بسخرية عند ذكر تلك القيم، كنوع من الانتقام. في السياق الكولونيالي، ينجح الغازي في كسر شوكة الشعب المحلي عندما يعترف الأخير بصوت عال بسيادة قيم الرجل الأبيض. أما في فترة تفكيك الاستعمار، فعلى الشعوب المحتلة أن تسخر من تلك القيم ذاتها، أن تشتمها، أن تتقيأها.”

.وأنا أتقيؤكم، ونفسي.

أحاول أن ألملم فتات هوية نبذتها طوعاً. أعيش تناقضاتي جميعها بشجاعة وعار. أعيش عزلتي بصمت. بلا وطن ولا منفى. بيني ومن أحب حدود كثيرة. ووجوه تقدس هذي الحدود، وتنصبها إلهاً.

قال لي صديقي مرة أننا ضيوف هنا. أن أوروبا احتضنتنا وأن أقل ما يمكننا فعله هو الاندماج. الاندماج!! “أن نندمج يعني ألا يبقى لنا لون، ولا شكل، صرخت. سيضعوننا وأخوتنا في وعاء كبير. فالقلب الأوروبي يساع الجميع. الوعاء نفسه الذي يحتوي مارين لوبن وفيون وخيرت فيلدرز ودونالد ترمب. سننصهر سوياً، سنمزج، ونعجن ونخلط. لا أفهم سبب كثرة استخدام الاستعارات المطبخية في الخطابات السياسية الأوروبية، إلا أني أدرك ما يقدم لي منفاي من خيارات، وأرفضها جميعها: علينا أن نندمج مع من يريد لنا أن نفنى، وإلا فعلينا العودة إلى ديارنا، لنفنى أيضاً. أوروبا موطن الفرص حقاً!

تعلمنا في كورس الإعداد الأهلي الذي تفرضه الحكومة على المهاجرين، أن فرنسا تصنع أكثر من ثلاثمئة نوع مختلف من الجبنة. وفي عالم مواز، تمتلئ شوارع الريف الباريسي بمظاهرات تطالب بالعدالة لشاب أسود اغتصبته الشرطة الفرنسية. وأتساءل بحيرة: أي نسخة من الثقافة الأوروبية أصدق؟ هل أؤمن بالثورة العلمية؟ بسارتر و بسيمون دوبوفوار؟ بالباغيت ونوع مختلف من الجبنة لكل يوم من أيام السنة؟ بالحرية والعدالة والأخوية؟ أم أصدق واقعي كأنثى مهاجرة؟ أصدق عنف الشرطة والسلطة والعنصرية والكولونيالية والرأسمالية والاسلاموفوبيا، التي تريد مني أن أكون بيضاء أو أن أتبخر؟

حاولت بصدق أن أكون مواطنة صالحة. جل ما تمنيته هو أن أكون كل ما أردتموني أن أكونه. أمسح الدم المتجمد على حافة فمي وأعيد الكرة. أحاول إرغامه على تقليد صوتكم. على نسخ كل مقطع لفظي. ربما إن تمرنت بشكل كاف لن يلاحظ سائق الباص لكنتي. لن تكشف بائعة التبغ أصولي القذرة. سأختبئ بينكم وأخدعكم مرة واحدة.

شفتاي متعبتان. وروحي أيضاً.

لكني أكابر. الاندماج قضية سامية، وأنا متفانية في الاندماج. أعيد تلحين اسمي ليتناسب وسيمفونية لغتكم. من أنا؟ أسلخ جلدي، أتركه في المنزل وأذهب إلى الجامعة. لا مكان لسوريا هناك. صديقي الفرنسي تشاجر مع حبيبته ومن العيب أن أزعجه بقصص الموت التي أحملها في جعبتي. هل أصبحت أوروبية بما يكفي؟ المسلمون همجيون والسبب قرآنهم، أعترف بتغطرس لزميلتي الفرنسية. “أنا من هناك وتعلمت ذلك عن قرب”. هلا عمدتموني أخيراً؟ أنا قشرة فارغة.

من سوء حظي أني فشلت حتى في الاندماج. آمل ألا تلوموني فقد حاولت مطولاً. لكن الطين في فمي ما زال رطباً. ما زالت ذاكرتي حية وإن حاولت تخديرها. وأعلم أن لا مكان لي بينكم إلا إن لم أعد أنا، أنا.

طعم الخديعة حامض.

بكلاسيكية مشهد ماتريكسي، أودع حلماً وكابوساً رافقاني عقداً من عمري. أنزع القابس من مؤخرة رأسي وأعب الهواء ليملئ الرئتين. ما زال الضوء يرهق عيني، إلا أن الوجع يتنحى بروية ليترك لي ثقباً في جدار سجني، أكتشف من خلاله العالم من جديد كطفلة. أمد رأسي منه بفضول وخجل لأدرك أن مكاني هنا. أننا كثر وتاريخنا واحد. سوريون وعراقيون وأفغان وصوماليون وسودانيون. من لبنان والمغرب وتونس والجزائر والكونغو وفلسطين ومالي. من كل بقاع الأرض التي تستعبد وتشرد وتقتل باسم الطمع الرأسمالي . باسم الاقتصاد النيوليبيرالي والامبريالية الثقافية.

لا أدعي امتلاك أجوبة. بالكاد استجمع قواي لأنهض من سريري صباحاً. إلا أنني أدعي أن ما نسميه اليوم أوروباهو مفهوم متغير، متأقلم، وليس نقشاً على حجر. أن باستطاعتنا نحن، مهاجرين وأقليات محلية، أن نجبر أوروبا على الاندماج معنا، وليس العكس. أن نعيد نحت وجهها لتشبهنا أيضاً كما تشبههم. أوروبا سمراء ومهاجرة وكردية ويهودية وعربية وآسيوية ومسلمة وأفريقية. أوروبا تحضننا بحق وتعاملنا بعدل. . وإلا فقد فات الغطار.

4 تعليقات

  1. لم يفارقني شعور بالبهجة وانا اقرأ هذا الكلام، مادة تختصر وجع ذاتية الإنسان وهشاشته عندما يريد ان يكون حقيقيّا ، وتلمّح لمأزقه وسط سطحية قِيم الحضارة الحديثة ، كان ذلك بإسلوب حسّاس وشاعري وعميق .

  2. من جهاز الهاتف ، كان علي قراءة نص، الذي امسكني منذ بدايته حتى نهايته على الرغم من طوله ، وصعوبة القراءة من الهاتف ، إضافة لإصرار تمرد ( اسم موقع الجريدة الالكترونية ) على استخدام نوع خط يبدو متمردا أيضا .
    كانت دهشة جمعت مشاعر مختلفة كباقة عبثية التشكيل تضم قرنفلا وشوكاً وعشبا مصفرا ، لكنها طبيعية بشكل لا يصدق كما نحن متناقضون ومختلفون وربما سبعة في واحد .
    عولمة في مراحل آسنانها الأكثر فتكاً ، وصراع أجيال حرج ، وهواجس فرد في مرحلة تبدو الأسئلة الأكثر بساطة هي الأكثر صعوبة .
    من نحن في هذا الحادي والعشرين ؟ مابين استلاب طويل موحش ومموه بعبارات تقزيمنا السادية ، وتوحشنا الداخلي حين نُسرق أوطاناً وتاريخاً وآثاراً وروحاً، ثم تفتح مدن النور والكهرباء التي لا تعرف الانقطاع ذراعيها لتقول لك تعال ، تابع ازدواجية تضادك السباعي معنا لن يضيرك تشوه هوية إضافي .
    حتى اللحظة لم تتمكن كارثتنا من شطب حلم صغير عن قادم مختلف عززت الكاتبة ذلك الحلم ، وربما بأوديبية أصبحت شهية ومرغوبة لشطبنا كماضي ولكنها مفرحة فيما لو نجحت عبر جيلها في جعلها وباءً منتشراً، يجب أن نقولها بتجرد ، الغياب عن اللوحة ستجعل مهمتهم أسرع .

  3. لخصت الكثير من عواصف داخلي ..هي المهاجرة بأعومها الثلاثة والعشرين ..المتماهية الزائلة في الاندماج الرافضة له ..وأنا الطفلة في أعوامي الثمانية عشرة حبيسة منفى القيم..الغريبة عن كل شيء …ذكرتني بخوفي من تناقض ما اكتشفته من ذاتي حتى الآن …ونفخت في روحي كثيرا من الأحاسيس المتفاوتة …فخرا وخزيا وعارا و خوفا و قرفا و أحاسيس أخرى أرفض أن ألوثها بصبها في قوالب الحروف مثلما لوثتموني بصبي في قوالب قيم سطحية تحولت لجدران تحول بيني وبين نفسي الحقيقة .
    شكرا بابا ملأت بضع دقائق من وقتي بشيء مفيد .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *