رجل القطار السريع

لم أكن لألحظه لو لم تستفزني الرائحة. بيروقراطية نتنة. كأنه يمضى أيامه عادة في مكتب ضخم. مكدساً الأوراق حوله كلوحات فنية.

عيد ميلاد أمه الستين. رأسه الصغير وانغماسه المفرط بأضواء شاشة هاتفه يمنحني مساحة كافية لأعاين حروفه عن كثب.

يهنئ أمه باتمامها عقدها السادس بنجاح. “أفكر بك” يكتب بلا تردد. أبتسم لاختياره الوقت هذا بالذات لتهنئتها. رحلته الروتينية من المنزل إلى العمل على الأرجح. ربما يكون في طريقه إلى مؤتمر دوري لموظفي شركات التأمين. مؤتمر أنيق في فندق أنيق. وإن لم يعجبه العشاء السنة الماضية، إلا أنه شعر بالدفء بين زملائه. لديهم جميعاً الرائحة ذاتها على كل حال.

هناك، سيجلس مطولاً على كراس غير مريحة، ليستمع إلى بذلة أخرى تتحدث عن مستقبل الشركة المشرق. سيخطئ مدير عمله لفظ اسمه مجدداً هذه المرة، وسيموت مرتين. لاحقاً في قاعة المحاضرات الضخمة، ستزعج مؤخرته خشبة عفنة أضلت طريق سطح المقعد الأملس، وسيكون هذا الكدر الوجيز الشعور الحقيقي الوحيد الذي أحسه منذ أشهر. أكثر من جسد حبيبته، ومن حبه الخاطف لوالدته في عيد ميلادها هذا الصباح.

يتوقف عن الكتابة للحظة .. لم يتبق لديه سوى أربعة أحرف حنى نهاية الرسالة الأولى. تأمل احتمالية أن ينفق خمسة سنتات أخرى ليكمل تهنئته.

ربما أراد أن يعترف بتعاسته ..

أنه في الثلاثين من عمره ولا يستطيع النوم بدون مسكنات ألمه.

أنه عندما يكون وحيداً، يشاهد أفلام إباحية ممثلوها أطفال في التاسعة.

أنه نسي آخر مرة لم يستنجد فيها بهاتفه لينقذه من حديث آخر عن الازدحام الذي سببته الحفريات في وسط البلد. أو عن عدم اكتراث الكون بمعاناة البشر.

ربما أراد أن يخبرها أن صديقتها المقربة وضعت يدها في بنطاله مرة. أن ذكرياته عن الحادثة هي بعدد سنينه الخمس وقتها:

أن يدا “سارة” كانتا باردتين. أن والده كان نائماً. أن أمه أخدت دراجتها لشراء الطعام. وأنه كان جائعاً .. وخائفاً.

ربما لم تكن والدته لتفهم. صديقتها لم تكن لتفعل ذلك. هي امرأة محترمة، ومن ثم زوجها لم يكن يحرمها المتعة في الفراش.

يعود إلى هزلية حروفه. يرجح أن من الأفضل عليه أن ينهي رسالته سريعاً. بعد خمس وعشرين سنة من الصمت، بضعة أيام أخرى لن تكون كارثية.

تواجهه في تلك اللحظة معضلة أكثر جدية. يدرك أنه نسي استخدام إيموجي. يقلب صفحات هاتفه بحثاً عن الرمز المناسب. هل ينهي رسالته بقلوب حمراء أم بقالب حلوى؟ وإن كان الأخير فأي لون يختار؟ وبكم شمعة؟

ينظر إلى للمساعدة. أو ربما ليخبرني -أنا الغريبة- عن سارة. وعن انتصاب محير في بنطاله، سببه تأمل جسد الطفل الغض الجالس أمامنا.

يضيف جاري في القطار السريع قالبي حلوى من أصفار وواحدات لرسالته ويغلق الهاتف بسرعة. وصل إلى محطته أخيراً ولم يعد يملك وقتاً ليضيعه في رسائل أعياد الميلاد.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *